ابن حبان

28

صحيح ابن حبان

ولخوف ابن حبان على ضياع الكتب أو فقدانها من المكتبة التي وقفها - وهو يعلم أن الإعارة مضيعة للكتب - فقد اشترط ألا تخرج من الدار التي وقفها فيها ، أي منع الإعارة الخارجية التي تذهب بالكتب شيئا فشيئا ، وجعل خزانة الكتب في يدي وصي سلمها إليه ، ليبذلها لمن يريد نسخ شئ منها من غير أن يخرجه منها ، هكذا أحكم ابن حبان الأمر ، وأحاط تلك المكتبة بسياج الصيانة والحفظ ، إلا أن حوادث الدهر امتدت إليها على حين غفلة من أهلها ، لتبعثرها وتبددها ، وتخفي نفائسها وكنوزها ، وذاك بعد قرابة مئة عام من موت واقفها ابن حبان ، ويذكر ذلك مسعود السجزي للخطيب البغدادي بحرقة ، فيقول : فكان السبب في ذهابها مع تطاول الزمان ضعف السلطان ، واستيلاء ذوي العيث والفساد على أهل تلك البلاد ( 1 ) . فلا حول ولا قوة إلا بالله . وفاته : وبعد حياة جهاد متواصل ، قضى جلها في الأسفار ، وملأ ساعاتها بالطلب والسماع والإملاء والاستملاء ، وعمر أيامها بالتأليف والتصنيف ، وتعرض فيها لمحن وأحداث ، شاء الله له أن يرجع إلى مسقط رأسه بست ، ليمضي فيها بقية عمره ، ويوافيه أجله وهو بين أهله وأصحابه وطلابه ، وذلك ليلة الجمعة لثماني ليال بقين من شوال سنة 354 ه‍ ، فيدفن بعد صلاة الجمعة في الصفة التي ابتناها قرب داره . قال ياقوت : وقبره ببست معروف يزار إلى الآن . تآليفه : إن الناظر في تآليف ابن حبان يجد أنه لم يكن حاطب ليل ، ولا ناقلا للنصوص من هنا وهناك ليجمعها في مكان واحد فحسب ، وإنما يلحظ من خلال تآليفه عقلا محققا ، وفكرا عميقا ، ونظرا ثاقبا ، كان يشبع المسائل بحثا وتمحيصا

--> ( 1 ) انظر " معجم البلدان " ( بست ) .